سقوط قبل البداية

 

سقوط قبل البداية

✍️ بقلم المهندس ياسر أبو الغيط

.............................................

كأس العالم ليس بطولة محلية يمكن أن تدخلها بالأمانى ولا مناسبة إحتفالية ترفع فيها الشعارات ثم تنتظر المعجزات كأس العالم هو ساحة العمالقة وميدان الحقيقة الذى لا يرحم أحداً ولا يعترف بالأسماء ولا بالتاريخ ولا بالضجيج الإعلامى هناك لا يتحدث أحد عن الإنجازات الورقية بل تتحدث الأقدام داخل المستطيل الأخضر

 

وحين ننظر إلى إستعدادات معظم المنتخبات المشاركة نجد عملاً إحترافياً حقيقياً برامج إعداد طويلة ومباريات ودية عديدة وإحتكاك متواصل بمدارس كروية مختلفة منتخبات واجهت منتخبات من أمريكا الجنوبية وأوروبا وآسيا وأفريقيا حتى تختبر كل نقاط القوة والضعف قبل الوصول إلى المونديال بعض المنتخبات خاض أكثر من عشر مباريات قوية خلال فترة الإعداد لأنها تدرك أن كأس العالم لا يرحم من يذهب إليه بلا إستعداد

 

أما نحن فالمشهد مختلف تماماً

منتخب مصر الذى يحمل آمال أكثر من مائة مليون مشجع يدخل إلى البطولة وكأنه يسير فى طريق مجهول أربع مباريات ودية فقط بين ما تم لعبه وما هو مقرر لعبه بما فيها مواجهة البرازيل أربع مباريات لا تكفى لتكوين صورة حقيقية عن المنتخب ولا لإختبار اللاعبين ولا لإكتشاف الأخطاء ولا لبناء شخصية فريق قادر على مواجهة منتخبات كأس العالم

 

الأخطر من ذلك أن المنتخبات التى واجهناها أو سنواجهها لا تشبه إلى حد كبير المنتخبات الموجودة معنا فى المجموعة فكيف تستعد لمعركة ضد خصم معين وأنت تتدرب على مواجهة خصوم مختلفين تماماً فى الأسلوب والإيقاع والقوة والسرعة؟ وأى فائدة فنية حقيقية من إعداد لا يحاكى الواقع الذى ستصطدم به بعد أيام أو أسابيع؟

 

ثم تأتى المشكلة الأكبر وهى التباعد الزمنى بين المباريات الودية نفسها فلا يوجد تدرج واضح فى الإعداد ولا تسلسل فنى متصل يسمح ببناء فريق متجانس كل مباراة تأتى منفصلة عن الأخرى وكأنها حدث عابر لا جزء من مشروع إعداد متكامل والنتيجة أن المنتخب يدخل البطولة دون أن يكتسب الإيقاع المطلوب ودون أن يصل إلى أعلى درجات الإنسجام ومن حق الجماهير أن تسأل سؤالاً مشروعاً لماذا لم نواجه عدداً أكبر من المنتخبات القوية؟ لماذا لم نبحث عن إحتكاكات حقيقية تكشف مستوى المنتخب قبل البطولة؟

 

هل كان الخوف من ظهور العيوب الفنية سبباً فى تجنب المواجهات الصعبة؟

هل كان هناك تخوف من أن تكشف المباريات القوية حقيقة المستوى الفنى للمنتخب والجهاز الفنى أمام الرأى العام؟

 

هذه أسئلة يفرضها الواقع ولا يفرضها التشاؤم فالمدير الفنى الناجح لا يهرب من الإختبارات القوية بل يطلبها بنفسه المدرب الواثق من عمله يبحث عن المواجهات الصعبة لأنها تمنحه فرصة التصحيح قبل فوات الأوان أما الإكتفاء بمباريات محدودة ومتباعدة وفى ظروف لا تشبه ظروف كأس العالم فهو أمر يثير القلق أكثر مما يمنح الطمأنينة

 

المؤلم أن نسخة كأس العالم القادمة تمنح المنتخبات فرصة ذهبية لم تكن موجودة فى نسخ سابقة نظام البطولة الجديد يتيح إمكانية الصعود ضمن أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث أى أن الطريق إلى الأدوار المتقدمة أصبح أكثر إتساعاً من الماضى ومع ذلك فإن الخوف الحقيقى ليس من عدم المنافسة على الصدارة فقط بل من عدم القدرة حتى على إستغلال هذه الفرصة الإستثنائية

 

فالمنتخب الذى لا يستعد جيداً لا يملك رفاهية الحلم الكبير والمنتخب الذى يذهب إلى المونديال بأقل قدر من الإحتكاك والخبرة المكتسبة قبل البطولة يضع نفسه فى مواجهة مخاطر لا داعى لها كرة القدم الحديثة لا تعترف بالنوايا الحسنة ولا بالأسماء الكبيرة ولا بتاريخ المنتخبات هى تعترف فقط بمن إستعد أكثر وعمل أكثر وخطط أكثر

 

اليوم لا يحتاج الشارع الكروى إلى خطابات مطمئنة ولا تصريحات متفائلة

ما يحتاجه هو إجابات واضحة لماذا كان الإعداد بهذا الشكل؟ ولماذا لم يتم إستغلال الوقت فى بناء برنامج يليق باسم منتخب مصر؟ ولماذا تبدو معظم المنتخبات الأخرى وكأنها تستعد للحرب بينما نتصرف نحن وكأننا ذاهبون إلى رحلة ترفيهية؟

 

إن الخوف من فضيحة كروية ليس مبالغة كما يظن البعض بل هو نتيجة طبيعية لقراءة المشهد كما هو فالفارق بين النجاح والفشل فى كأس العالم لا يُصنع فى يوم المباراة بل يُصنع فى شهور الإعداد التى تسبقها وإذا كانت مرحلة الإعداد قد جاءت بهذا القدر من التواضع فإن القلق يصبح واجباً لا ترفاً

 

الجماهير المصرية لا تطالب بالمستحيل

لا تطالب بحمل الكأس ولا بهزيمة عمالقة العالم لكنها تطالب بأن ترى منتخبها يدخل البطولة وهو مستعد فعلاً للقتال تطالب بأن ترى عملاً يليق بقيمة مصر الكروية وتاريخها وجماهيرها أما أن نذهب إلى أكبر بطولة فى العالم بهذا القدر من الغموض وقلة الإحتكاك وضعف الإعداد فذلك أمر يجعل الخوف مشروعاً والإنتقاد واجباً والصمت جريمة فى حق كرة القدم المصرية  .

✍️ بقلم المهندس ياسر أبو الغيط

تعليقات